تُظلم الشاشة.
تمر بضع ثوانٍ.
تهبّ نسمة لطيفة في الفناء.
تبقى الحقيبة القديمة موضوعة قرب البوابة.
يُبقي الرجل العجوز يده على المقبض.
لا يزال المحامي واقفًا أمامه.
الملف لا يزال مغلقًا.
ينظر الابن يمينًا ويسارًا بين والده…
والمحامي.
يحاول استعادة رباطة جأشه.
“أعتقد أن هناك سوء فهم…”
يُدير المحامي رأسه نحوه ببطء.
“لا أعتقد ذلك يا سيدي.”
يبتلع الابن ريقه بصعوبة.
“ما هي الوثائق التي تُشير إليها تحديدًا؟”
يُجيب المحامي بهدوء.
“تلك التي طلب مني والدك إعدادها قبل عدة أشهر.”
تختفي ابتسامة زوجة الابن على الفور.
تتبادل نظرة قلقة مع زوجها.
يبقى الرجل العجوز صامتًا.
لا يُظهر وجهه أي انفعال.
فتح المحامي ملفه أخيرًا.
أخرج عدة أوراق مُرتبة بعناية.
ثم ظرفًا.
سميكًا.
مُغلقًا.
ناوله للرجل العجوز باحترام.
“كما اتفقنا…
لم يفتحه أحد.”
أخذ الرجل العجوز الظرف.
ارتجفت يداه قليلًا.
تقدم الابن خطوةً إلى الأمام لا شعوريًا.
“أبي…
ما الأمر؟”
لم يُجب الرجل العجوز.
نظر إلى ابنه طويلًا.
ثم إلى الشابة.
كانت نظراته حزينة…
لكنها لم تكن غاضبة.
ثم تكلم المحامي.
“أعطاني والدك تعليماتٍ مُحددة للغاية.”
ساد الصمتُ ثقيلًا.
“لو غادر هذا المنزل يومًا ما رغماً عنه…
لكتُ أن آتي فورًا بهذا الملف.”
شحب وجه الابن.
“ماذا؟”
يتابع المحامي بهدوء:
“لقد توقع هذا الاحتمال.”
تضغط زوجة الابن على ذراع زوجها بخفة.
ينظر الرجل العجوز إلى الحقيبة.
ثم يتمتم:
“كنت آمل ألا أحتاج إلى هذه الوثائق أبدًا.”
يهز الابن رأسه.
“أبي…
أنت مخطئ…
أردنا فقط…”
يقاطعه الرجل العجوز بلطف:
“لا تختلق الأعذار.”
يبقى صوته هادئًا.
لكن كل كلمة تبدو أثقل من سابقتها.
“الكلمات التي قلتها قبل دقائق…
سمعتها بوضوح.”
يبقى الابن بلا حراك.
يتابع الرجل العجوز:
“لم تكن الحقيبة هي ما آلمني…
ولا حتى فكرة الرحيل.”
ينظر إلى ابنه مباشرة في عينيه.
“”ما حطمني…
هو إدراكي أن ابني يراني الآن عبئًا.”
تُخفض الكنة عينيها ببطء.
تُحرك الريح بعض الأوراق في الفناء.
لا يجرؤ أحد على الكلام.
يفتح المحامي ملفًا جديدًا.
يُخرج منه عدة صور قديمة.
يضعها برفق على غطاء محرك السيارة السوداء.
ينظر الابن إليها.
يتغير وجهه على الفور.
في الصورة الأولى…
يظهر طفلًا…
يجلس على كتفي والده.
في صورة أخرى…
يساعده والده على اتخاذ خطواته الأولى على الدراجة.
ثم صورة ثالثة…
حيث يبنيان معًا المنزل الخشبي الصغير في الحديقة.
يلمس الرجل العجوز الصور برفق.
“لطالما احتفظت بها معي…
حتى لا أنسى أبدًا أجمل لحظات حياتي.”
يشعر الابن بالدموع تترقرق في عينيه.
“أبي…
أنا…”
يرفع الرجل العجوز يده برفق.
“دعني أُكمل.”
ساد الصمت من جديد.
حتى الطيور بدت وكأنها صمتت.
“طوال حياتي…
تساءلتُ عن الإرث الذي سأتركه لكِ.”
نظر إلى الفيلا نظرة أخيرة.
“ظننتُ أن هذا المنزل سيكون أجمل هدية.
اليوم…
أدركتُ أنني كنتُ مخطئًا.”
كافح الابن ليكبح دموعه.
“لا تقل ذلك…”
تابع الرجل العجوز بهدوء.
“يمكن بناء منزل بالحجارة.
لكن العائلة…
تُبنى بالاحترام.”
خفض المحامي عينيه في لفتة خفية.
لم تعرف زوجة الابن أين تنظر.
خطا الابن خطوة نحو والده.
“سامحني…
أرجوك.”
نظر إليه الرجل العجوز طويلًا.
كأنه ما زال يرى الصبي الصغير الذي ربّاه.
ثم أجاب بصوت خافت.
«أستطيع أن أغفر كلمةً قيلت في لحظة غضب.
لكن من الصعب جدًا نسيان فكرةٍ استقرت في القلب.»
أغرقت هذه الكلمات قاعة المحكمة في صمتٍ مطبق.
أغلق المحامي ملفه ببطء.
ثم سأل باحترام:
«سيدي…
هل ما زلت ترغب في تأكيد قرارك؟»
أغمض الرجل العجوز عينيه برفق.
أخذ نفسًا عميقًا.
حبس الابن أنفاسه.
ضمّت زوجة ابنه يديها بتوتر.
حركت الريح البوابة المواربة برفق.
فتح الرجل العجوز عينيه أخيرًا.
وضع يده على الملف…
ثم نظر إلى ابنه نظرةً أخيرة.
كانت نظراته مليئة بالحب…
ولكنها كانت أيضًا مليئة بخيبة أملٍ شديدة.
في اللحظة التي فتح فيها فمه ليعلن قراره…
تجمدت الصورة فجأة.
شاشة سوداء.